زكريا القزويني
308
آثار البلاد واخبار العباد
بسطام مدينة كبيرة بقومس بقرب دامغان . من عجائبها انّه لا يرى بها عاشق من أهلها ، وإذا دخلها من به عشق فإذا شرب من مائها زال عنه ذلك ! وأيضا لم ير بها رمد قطّ ، وماؤها يزيل البخر إذا شرب على الريق ، وإن احتقن به يزيل بواسير الباطن . والعود لا رائحة له بها ولو كان من أجود العود ، وتذكو بها رائحة المسك والعنبر وسائر أصناف الطيب ، ودجاجها لا يأكل العذرة . وبها حيّات صغار وثّابات . ينسب إليها سلطان العارفين أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي صاحب العجائب ؛ قيل له : ما أشدّ ما لقيت في سبيل اللّه من نفسك ؟ قال : لا يمكن وصفه . فقيل : ما أهون ما لقيت نفسك منك في سبيل اللّه ؟ قال : أمّا هذا فنعم . دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني ، فمنعتها الماء سنة . وحكي أن أبا يزيد رأى في طريق مكّة رجلا معه حمل ثقيل ، فقال لأبي يزيد : ما أصنع بهذا الحمل ؟ فقال له : احمله على بعيرك واركب أنت فوقه . ففعل الرجل ذلك وفي قلبه شيء ، فقال له أبو يزيد : افعل ولا تمار ، فإن اللّه هو الحامل لا البعير ! فلم يقنع الرجل بذلك فقال أبو يزيد : انظر ماذا ترى ؟ فقال : أرى نفسي والحمل يمشي في الهواء والبعير يمشي فارغا . فقال له : أما قلت لك إن اللّه هو الحامل فما صدقت حتى رأيت ! وحكي انّه سمع أن بعض مريديه شرب الخمر ، فقال له : اخرج معي حتى أعلّمك شرب الخمر ! فخرج معه فأدخله بعض المواخير وشرب جميع ما في دنانها ، ثمّ تنكّس فجعل رأسه على الأرض ورجليه نحو الهواء ، وقرأ القرآن من أوّله إلى آخره وقال للمريد : إذا أردت شرب الخمر فهكذا ! مات سنة إحدى وستّين ومائتين ببسطام ، وكان له هناك مشهد مزار متبرّك به ، وذكر بعض الصوفية ان من نام في مشهد أبي يزيد ، فإذا استيقظ يرى نفسه خارجا من المشهد .